السيد عباس علي الموسوي

67

شرح نهج البلاغة

فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ وَوقالوا وهم فيها يختصمون تاَللهِّ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ . فقد انتبهوا لضلالهم وكفرهم حينما سووا اللّه بخلقه وشبهوه بهم فقد حكى اللّه عنهم منكرا تصرفهم وما ذهبوا إليه من تسويتهم للهّ بهم . . . ( كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم ) . أراد زيادة التأكيد على ضلال المشبهة فقال إن من ساواك بغيرك فقد كذب ولم يصدق ولم يعرف الحقيقة ، أرادوا تشبيهك بأصنامهم الجامدة فقالوا : إنك مثلها صورة وهيئة ولذا وضعوها في أماكن عبادتهم ليضلوا العباد . وكذلك كذب الذين أعطوك صفة المخلوقين من خلقك بشرا أم ملائكة فإن أوهامهم القاصرة صورت لهم أنهم قد وصلوا إلى الحقيقة وأدركوا الواقع ولكنهم لم يحصلوا إلا على الانحراف والضلال . ( وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ) . وكذب الذين جعلوك مركبا وجزأوك كما تتجزأ المجسمات التي لها طول وعرض وارتفاع وكذلك كذب الذين قدروك على صورة بشر تحكمك هذه العناصر المختلفة التي يتكون منها الجسد فإن هذا منتهى ما وصلت إليه عقولهم وهي قاصرة عن ادراك الحقيقة والوصول إليها . . . ( وأشهد أن من ساواك بشيء من خلقك فقد عدل بك والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك ) . وهذه شهادة ثانية على كفر من شبه اللّه بخلقه لأن من شبه اللّه بخلقه فقد ساواه بغيره ومن ساواه بغيره جعل له شريكا وهو كفر صريح وإلحاد فصيح بحكم الآيات الواضحة في الكتاب العزيز حيث يقول : وَجَعَلُوا للِهِّ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سبَيِلهِِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النّارِ وكذلك العقول السليمة تصل إلى ما نطقت به الآية وشهد به الإمام . ( وإنك أنت اللّه الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهب فكرها مكيفا ولا في رويات خواطرها فتكون محدودا مصرفا ) . وهذه شهادة ثالثة تنزهه عن كل نقص ، إنك أنت اللّه الذي لم تستطع العقول أن تحدد منتهاك وتدرك حقيقة صفاتك فإنها لو استطاعت ذلك بفكرها نجعلك على كيفية معينة من هيئة أو لون أو تركيب أو غيرها مما يحددك ويحصرك . كما أن الخواطر البشرية والأفكار التي يمكن أن تمر في ذهن الإنسان لا تستطيع أن تهتدي إلى حقيقة صفاته والوصول إلى نهايتها بعد تقليب صفاته وتحويلها منه وعنه وإليه